مقالات

أسماء القرواش تكتب: جُرم تمجيد الذات الإنسانية

خطأ فادح ارتكبناه, عندما سعينا لتغيير الظروف الخارجية, و نادينا بالتغيير لما حولنا، دون التأكُد التام هل نحنُ أهلاً لهذا التغيير ؟ وليس المقصود هُنا هل نحنُ نستحق أن نعيش ونحيا حياة طيبة، وكريمة، أم لا! ولكن ما أقصدُهُ هل نحنُ( صفوة المجتمع من الشباب الواعي المُثقف)- وإن ظننا- أننا من سيحمل راية التغيير.. تغيرنا حقاً؟!

 كيف يمكن  للمرء أن يُطالب بقيادة مُجتمع بأكملهُ، نحو التغيير، وهو لم  يبدأ بتغيير ذاته!! هو بالأحرى يُشبه طفلاً ما لبث أن تعلم مبادئ الكلام وراح يخطُب فى العالم أجمع ويُعلمهُ أصول الخطابة!! فهل يُعقل ؟ّ!!

 تعلمنا كلمات كالحُرية, والمساواة, والديمقراطية وغيرها, ولكن فشلنا فشلاً  ذريعاً  فى تطبيقها فعلياً. وما يؤكد أننا لم نصل للتغيير المنشود حتى الآن, أن كُل منا يرى فى نفسهُ الإنسان الذي لا يعلم سواه أحد، حتى وإن كان غيرهُ لديه من المعلومات التي إذا ما أُخذت بعين الاعتبار, رُبما أظهرت لهُ جانب من حقيقة غائبة عن مداركهُ, فكٌلنا نرى الأشياء بعين الناقد , لا بعين المُستكشف, وبعين الطالب الذي يُريد أن يعرف, ويتزود بالعلم, ليرى ويُبصر أكثر.  وإن فعلنا ذلك في مرة , ظننا  أننا لم نؤتى من العلم القليلا.

 كلنا يعلم جيداًً أن بداية تغيير مُجتمع ما, تأتى من تغيير الفرد,  فهو المكون الأساسي لهذا المُجتمع ..هو مركزُ الأرض الذي تدور حوله، ومن أجلهُ, فإن صلُح الفرد، وتغير للأفضل، صلُح المُجتمع بدوره. وبداية تغيير الفرد ,إنما تنبُع من داخلهُ، وذاتهُ، وإدراكهُ لحاجته إلى التغيير.

نرى اليوم الكثير من النُقاد, والمجادلين, بعلم وبغير علم, وما أكثر المجادلين بغير علم وإن لم يعترفوا بحقيقة إنهُم لا يعلمون! وهُنا يأتي محور ما نتحدث بشأنه..ُ فإن الإنسان لديه من الكبر والتعالي ما يدفعه لعدم الاعتراف بجهله. 

 كثير من الكبوات والمصائب والتضاربات الفكرية التى مررنا وسنمُر بها , هو حصيلة أن  كُل منا يُظنُ كل الظن أنهُ على صواب, وأنهُ قد أحدث فى نفسهُ التغيير المنشود, فنعم مصيبتنا أننا بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهُم! رغم أن الإنسان الذى يبلُغ من العقل ولو قليلاً,  يعلم أنهُ فى حرب دائمة مع النفس، فالنفس متقلبة جانب الحق تارة، وجانب الباطل تارة أخرى, فكيف لنفس أن تكون على هُدى دائماً!  كُل نفس  مهما بلغت تقواها تضِل وتُضل أحياناً, لم نأخُذ من تشبُثنا  بالرأي سوى الانقسام والمزيد من الكبوات، عدم الاعتراف بوجود مُشكلة، هو المُشكلة ذاتها، “فويل لأمة مُقسمة لأجزاء، وكل جزء فيها يحسبُ نفسهُ أمة” . كما قال الشاعر والكاتب جبران خليل جبران.

  ومن الظواهر المُدمرة التي حدثت ونتجت عنها الثورة, أنها أظهرت قبيح فعلنا، وقُبح جهلنا, نعم كان لها من المميزات أنها جعلت من لم يكُن يهتم  بكلمة وطن يهتم، ويعرف المزيد من الأخبار، ويتعقُب الأحداث أولاً بأول , ولكن ما أقصدهُ بقبيح جهلنا وفعلنا، أننا نستزيد من الأخبار دون تقصي، وكثير منا إذا علم بخبر، سارع لنشرهُ ليفوز بالحصرية و السبق المعرفى أمام نُظرائه , كما أنه لا يقبل أن يكون خاطئاً إن صادف النقاش مع أحد لديه عكس ما علم,  وهذا الجانب أيضاً لهُ جانب قبيحُ  آخر، وهو أننا نعلم أن الأحداث متوالية بسرعة هائلة، نكاد من كثرتها نفقدُ الإحساس بالزمن، فما يكاد أن يظهر خبر حتى يعقبهُ آخر، فنتسرع فى إطلاق الأحكام, والظنون، والإحتمالات، دون التروي  والأخذ فى الاعتبار أن وجهة نظرنا، التى كوناها، قد تكون على خطأ، بل نؤكد ولا نُشك , فنقع فريسة سهلة لدوامة الأخبار، ونكون بذلك قد ضللنا أنفسنا  , فصدقاً إذا تمهلنا قليلاً سنكتشف بداخلنا الكثير من التناقُضات، فنحن لسنا بهذه المثالية التى ندعيها، ولسنا بهذا القدر من المعرفة والعلم .

 ومما يؤكد أهمية  السعي  لتغيير النفس حتى يتغير المُجتمع المُحيط بنا قول الله تعالى “ذلك بأن الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” سورة الأنفال،  كما وكل الله تعالى مُهمة تغيير النفس للإنسان  ليقوم بها ولتكون هى مُهمتهُ التي تُسهل عليه العيش بسلام وتمكنهُ من مُناصرة الحق والتفريق بينهُ وبين الباطل.  

  ومن دواعي السُخرية, أننا عندما نجد من لم يسع لتغيير نفسهُ ,ولم يرى العيب الذى يكسوه, يُطالب غيرهُ بالتغيير! ويقوم بدور المُعدل على الآخرين! كأن يلوم أخر على إنهُ فكره تابع لفرد أو لجماعة  , أو أنه جاهل لا يسعى لتغيير مفاهيمهُ . وتحري الحقائق والإعتراف أن هُناك خبايا لم تصل للعقول, وأن الصورة التى أمامنا والتى تكونت فى أذهاننا, من المحتمل جداً أن تكون زائفة،ثم تدور الأيام, وتتبدل الأدوار، وتأتى المواقف لتُبين أن هذا الإنسان لا يختلف كثيراً عمن كان ينتقدهُ ويُقيمهُ بالأمس، يقول الله تعالى “يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون ، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”  الصف.

 وإذا رأيت فى نفسك الشخص الذى باستطاعتهُ  أن يساعد الآخرين على التغيير, وكسب المعرفة , والعلم, فكيف يتم ذلك بالتفاخُر والتعالي والمناقشات الحادة, التى تتحول فى نهاية الأمر للسُباب ,والشتائم و اللعن، وكأنك أصبحت مصدر العلم, أو أنك المُخلص من براثن الجهل, فتلعن كل من لم يواكب معرفتك ولا يفهمك وتتهمهُ بالجهل والتخلُف,  وكيف تكون قدوة للآخرين وأنت تنتهج هذا الأسلوب فى التحاور؟ كيف تكسب الثقة والإنتباه لما تقولهُ  فأولى بكأن تتعلم أولا كيفية تغيير هذه الطريقة  الغير مُجدية، بل المُدمرة لجميع  معاني التغيير, ثم  تَدَعىِ بعدها أنك حامل رسالة تغيير وإصلاح .

 لستُ أقول أن التغيير شيء هين, فالتغيير لابُد لهُ من مُثابرة ومقاومة لكُل عائق قد يمُر به الإنسان, ينبعث من ملل النفس, وضيقها، فتتساهل الحال التي هي عليه, أو  من إحباطات تحيط به.

قال تعالى ”  والذين جاهدوا فينا لنهدينهُم سُبُلنا وأن الله مع المُحسنين ” سورة العنكبوت.  ويقصُد هُنا جهاد النفس, وجهاد العلم, أن تسعى لتتعلم وتستنير بكل ما يُضيف لك, وجهاد الدعوة إلى الله, من خلال خُلقك وحُسن سلوكك, وهذه الآية يُذكر أنها نزلت فى مكة  قبل فرض الجهاد، ولذلك فإنها تتحدث عن تغيير ينبغى  أن تقوم به فى نفسك أولاً , قبل السعى لتغيير غيرك , كما أنها  وعد من الله عز وجل لمن سعى جاداً لتغيير نفسهُ سيهديه الله بفضله إلى سبيل الخير والصلاح.

فكل ما حدث للمجتمع حولنا نتاج وانعكاس لما فعلناه في الماضي من استسهال  للإكتفاء بما لدينا، فكما قال رائد التنمية البشرية د. إبراهيم  الفقى رحمهُ الله: “ما تراهُ فى حياتك  الآن ليس إلا انعكاساً لما فعلتهُ في الماضي وما ستفعلهُ فى المستقبل ليس إلا انعكاساً لما تفعلهُ الآن”  فأنت أيها الإنسان بيدك مصير مُجتمع، ثُم أمة بأكملها، إن أردت لها الأفضل فعليك أن تتوقف عن رؤية الأمور من منظور ضيق، منظور شخصي، وعبثي، وإن أردت لها الاستمرار فى الإنقسام و الضياع، فلتستمر فى ترنيمة تمجيد ذاتك الإنسانية، مثال على ذلك: نحنُ نكتفى فقط بمعرفة أركان الصلاة والصوم والحج.. نعم فلهم من الفضل وعظيم الأجر الكثير, ولكن غفلنا أن رُكن من هؤلاء دُنيا متشعبة فكُلما زدنا تعمقاً فى الأحكام والشرائع وجدنا أشياء أكثر، إن فعلناها زدنا قرباً وثواباً من الله عز وجل فلا يكفى أن تتعلم شئ لتقول: “أنا أعلم” ينطبق الأمر على المعرفة بجميع أشكالها وأركانها كُلما ساعدت نفسك على التغيير كُلما زدت نفعاً لنفسك و لغيرك.

  فالمُجتمع هو مجموعة أفراد مُتصلين، كل منهم يُفيد الآخر بشكل ما, خاطئ من أعتقد أنه  خارج دائرة التأثير والتأثُر، فأنت  مؤثر فى كل ما حولك، لا تقل لنفسك أن هُناك الكثيرين، و أن العالم لا يعتمد علي تغييرك أو مبادرتك,  أنت مؤثر  بطريقة أو بأخرى،  مؤثر في آراء أصدقائك،  فى مناقشاتكم العادية،  تبعث لهم رسائل إما سلبية أو إيجابية، تكون وجهة نظر لجيرانك وأقاربك ومعارفك  , أينما  كانت لديك وسائل اتصال بالمجتمع المحيط  فاعلم أنك مؤثر، فلا تقلل من تأثيرك بمن حولك، و لك  فى الإعلام الذى ينتقدهُ الكثير منا عبرة  ،وشخصيات تتساءل كيف لأشخاص لديهم ذرة تفكير أن ينصتوا لهؤلاء؟ فإن أردت تغييراً فكُن أنت التغير الذى تُريد أن تراه فى العالم ” المهاتما غاندى”. وقبل أى شئ يصدُر منك حاول دائماً أن تتذكر قول الله تعالى ” ومايلفُظ من قول إلا لديه رقيبُ عتيد ” سورة ق , وليس المقصود بالآيه مايصدُر لفظاُ وقولاً فقط بل يشمل القول والفعل معاً , وهذا ماتوصل إليه عُلماء التفسير من إجتهادات للآية الكريمة، فراقب نفسك , فى جميع أحوالك , وإعلم أن مايصدُر منك على سبيل النُصح أو الإخبار قد يُكون عليه غيرك  فأنت مصدر ثقة لشخص ما، واجعل فى علمك، دائماً , أن رأيك صواب يحتمل الخطأ , ورأى غيرك خطأ يحتمل الصواب .  

بقلم / أسماء القرواش

 

اضف تعليق

اضف تعليق

اظهر المزيد

رأيان على “أسماء القرواش تكتب: جُرم تمجيد الذات الإنسانية”

  1. ↓↓↓↓ مـُلخص لأهم ما كتبتيه ↓↓↓↓

    * وما أكثر المجادلين

    * مصيبتنا أننا بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهُم!

    * نستزيد من الأخبار دون تقصي، وكثير منا إذا علم بخبر ، سارع لنشرهُ ليفوز بالحصرية و السبق المعرفى أمام نُظرائه
    كما أنه لا يقبل أن يكون خاطئاً إن صادف النقاش مع أحد لديه عكس ما علم

    * “ ذلك بأن الله لم يكُ مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” ◄ سورة الأنفال ►

    * “ يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون ، كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ” ↨ الصف ↨

    * ” والذين جاهدوا فينا لنهدينهُم سُبُلنا وأن الله مع المُحسنين ” ▲▲▲ سورة العنكبوت ▲▲▲

    * فكل ما حدث للمجتمع حولنا نتاج وانعكاس لما فعلناه في الماضي من استسهال للإكتفاء بما لدينا

    * فكما قال رائد التنمية البشرية د. إبراهيم الفقى رحمهُ الله ↓
    “ما تراهُ فى حياتك الآن ليس إلا انعكاساً لما فعلتهُ في الماضي وما ستفعلهُ فى المستقبل ليس إلا انعكاساً لما تفعلهُ الآن”

    * المُجتمع هو مجموعة أفراد مُتصلين، كل منهم يُفيد الآخر بشكل ما, خاطئ من أعتقد أنه خارج دائرة التأثير والتأثُر

    * و لك فى الإعلام الذى ينتقدهُ الكثير منا عبرة ،وشخصيات تتساءل كيف لأشخاص لديهم ذرة تفكير أن ينصتوا لهؤلاء ؟!!!!!

    * ” ما يلفُظ من قول إلا لديه رقيبٌٌ عتيد ” ( ق : 18 )

    * و اجعل فى علمك ، دائماً , أن رأيك صواب يحتمل الخطأ , و رأى غيرك خطأ يحتمل الصواب .

  2. او تعلمين سيدتي اننا كمن ينظر لصورة فوتوغرافية مسطحة تنقل ما سجلته عدسة مصورها من جهة واحدة.. نتبع ما اراد ان يريدنا ان نراه.
    ﻻ نتعمق خلف الصورة او جوانبها المختفية عن اعيننا.
    نكتفي فقط بالنظر..
    نتجاهل إن كانت وقتية… نسبيه… او حتى مزاجية تعكس نظرة صاحبها.
    غشونا اعيننا ان نعتمد على بصيرتنا ونعمل العقل والفكر.
    تركنا انفسنا ننساق دونما وعي او تدقيق.
    سيدتي.. إن الله ﻻ يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. لم يقل عز من قائل ان يغيرهم بقدرته وإن شاء ربك لجعلهم امة واحده..
    آثر رب العزة ان يجعلنا اصحاب قرار وفكر وتغيير.. بأنفسنا ﻻ بغيرنا.
    اعطانا مقومات الفكر والتأمل.. والعقل كي نتدبر ونعقل امرنا.
    اطروحاتك قيمة تمس شغفي وتثير فكري حول التعمق والتدبر والتأكد من كل شيء… ﻻ نحكم إﻻ بعلم ويقين… ﻻ ننطق إﻻ بمنطق وصدق.
    حفظ الله قلمك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق