غير مصنفمقالات

حسام نصار يكتب : أساس الصراع على باب المندب

يعتقد البعض – سذاجة أو استسهالاً – أن الصراع الدائر في اليمن الآن هو صراع ديني، سني شيعي، والحقيقة أنه يبدو كذلك، ولكن ما هذا إلا التوظيف الديني لصراع استراتيجي بين قوى عظمى دولية وإقليمية للسيطرة على ممرات التجارة العالمية، ومنها مضيق باب المندب

المضيق كانت له أهميته الاستراتيجية الكبرى قبل اكتشاف – أو بالأحرى إعادة اكتشاف – رأس الرجاء الصالح من قبل البرتغاليين، ولم تكتف البرتغال وقتها بالسيطرة على رأس الرجاء الصالح، بل سيطرت أيضاً على باب المندب بعد معارك كبرى مع المماليك والعثمانيين والهنود، انتهت بالسيطرة الكاملة على ممرات التجارة الإقليمية، وامتدت لتشمل ممرات التجارة العالمية، ونجحت البرتغال في السيطرة على البحار لمائة عام دون منافس، حتى ظهر الإنجليز والهولنديين وورثوا عنهم ممرات التجارة، ومن بعدهما إلى الأمريكان، ونازعهم فيها السوفييت لفترة وجيزة
1_978137_1_34
وأدى هذا الاحتكار وتلك السيطرة إلى إسقاط القدرة الاقتصادية لدولة المماليك في مصر، وانتهت باحتلال العثمانيين لها، وفقدت مصر قيمتها الاستراتيجية، ولم ينجح العثمانيون أبداً في السيطرة على ممرات تجارة البحر الأحمر
وعادت إلى مصر أهميتها الاستراتيجية مع بزوغ دولة محمد علي، الذي نجح في منازعة الأوروبيين السيطرة على ممرات التجارة وموانئ البحر الأحمر، ولكنها كانت أهمية تجارية محدود، زادت قيمتها بعد افتتاح قناة السويس، وعادت لباب المندب أهميته الاستراتيجية الكاملة بعد هذا، تلك الأهمية الاستراتيجية التي أدركها عبد الناصر، ونازع الإنجليز عليها، ولكنه اصطدم بالسعودية فيما كان وقتها يُعرف بالصراع بين القوى الرجعية والقوى التقدمية – التي يريد البعض استرجاعها الآن – لتثبيط همة مصر الاستراتيجية الحالية
قد يكون عبد الناصر أخطأ بتطوير الصراع، ولكنه لم يُهزم في اليمن، فقد سقط حكم الأئمة الزيديين الشيعة، وتطور الحكم في اليمن إلى حكم جمهوري، كان موالياً في معظم حقبه إلى مصر
وظلّت البحرية المصرية نشطة في البحر الأحمر، ولم تستطع إسرائيل رغم انتصارها في 67 التفوق على البحرية المصرية، التي نجحت في الانتصار على البحرية الإسرائيلية في عدة معارك، جعلت إسرائيل تغض الطرف عن محاولة التفوق البحري على مصر، ونقلت توجهاتها الاستراتيجية إلى الحبشة، التي انقسمت إلى جيبوتي وإيرتريا، لتضمن شكل من أشكال التأثير على باب المندب من جانبه الغربي على الأقل
إيران – أو فارس – تعي تماماً أهمية باب المندب الاستراتيجية، وكان لها وجود تاريخي دائم في اليمن، وتصارعت مع الإمبراطورية الرومانية عليها، كما وعت تماماً أهميتها لمصر، وعت تماماً الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بعد ظهور البترول، وبدأت أيام الشاه منازعة العرب على اسم الخليج العربي، ونجحت إيران أيصاً في الولوج إلى اريتريا وجيبوتي وأصبح لها وجود هناك، وأرادت توسعة نفوذها إلى الجانب الشرقي من باب المندب باختراق الحوثثين دينياً لتوظيفهم سياسياً بعد ذلك، وحاولت – بل ونجحت إلى حد كبير – في تغيير طبيعة الزيديين الشيعة غير المتطرفة في غلوها لآل البيت وغير الرافضة لإمامة الخلفاء الراشدين، إلى طبيعة إثنا عشرية قريبة الشبه بالتشيع الإيراني، حتى تستطيع توظيف الدين لاتجاهاتها السياسية الإمبراطورية فيما بعد
تركيا أيضاً، التي فشلت عثمانياً في السيطرة على ممرات التجارة – ولهذا لم تستطع أبداً أن تكون قوة عالمية عظمى، وأدى هذا إلى سقوطها، وعت دروس التاريخ هي الأخرى، وأرادت موضع قدم بجانب القوى الإقليمية والعالمية الأخرى في باب المندب، واتجهت لإثيويبا واريتريا وجيبوتي أيضاً
السعودية تدرك هذا أيضاً، لتأمين حركة البترول العالمية من المنطقة الشرقية عبر قناة السويس وباب المندب، وهي لها نفوذ اقتصادي وقبلي على سنة اليمن، بل على شيعتهم الزيدية أيضاً في صورتهم القديمة، وهي تدرك أن اليمن، ومن وراءه باب المندب، لهما أهمية جيوسياسية قصوى
مصر، لولا يقظة الجيش والبحرية المصرية والأجهزة السيادية في فترة حكم مبارك الخامدة استراتيجياً، لضاع وجودها في باب المندب تماماً، والآن، وبعد فترة النشاط الاستراتيجي التي صاحبت مجئ السيسي إلى سدة الحكم، تواقفت الإرادة السياسية الاستراتيجية مع اعتبارات الأمن القومي المصري، وبدأت مصر في الظهور كلاعب أساسي ومحرك استراتيجي رئيسي في البحر الأحمر
خلاصة القول، أن باب المندب له أهمية استراتيجية كبرى، وهو بالنسبة إلى مصر مسألة حياة أو موت، فلا تصغوا إلى دعاة الانبطاح الداخلي، الذين يعقدون مقارنات مع فترة عبد الناصر، أو الذين يريدون صبغ ما يحدث دينياً ، الموضوع معقد جداً وعلى قدر كبير من الأهمية، وسوف تزيد أهميته بافتتاح قناة السويس

اضف تعليق

اضف تعليق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق