مقالات

عصيّة على النحت.. مارلين إلى الأبد

بقلم هشام أصلان

1
في منتصف 2011، أزاحت مدينة شيكاغو ستارًا عن تمثال “مارلين إلى الأبد”. صممه سوارد جونسون لتكريم مارلين مونرو، مُختارًا لها صورة هي الأشهر بين صور ممثلات السينما في العالم عبر التاريخ.

2
قبل أيام قليلة اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، في سياق اشتعالها اليومي، لسبب أو آخر، بانتشار تمثال شديد القبح لمارلين في نفس الوضعية. قالوا إنه نسخة مصرية من تمثال شيكاغو.
البداية كانت بصور للتمثال “المسخرة” نشرتها صفحة على فيسبوك، قبل أن تجتاح الصور صفحات الأصدقاء بتعليقات ساخرة. حالة ضاعفها انتصاب التمثال في ساحة دار الأوبرا المصرية.

3
كان مئات المارة في أحد شوارع نيويورك تجمعوا عندما عرفوا أن مارلين موجودة لتصوير أحد مشاهد فيلم “The Seven Year Itch”، إنتاج 1955.
المفترض أنها ستقف فوق إحدى فتحات تهوية مترو الأنفاق أثناء مرور القطار، ليدفع الهواء فستانها إلى أعلى، وتقول عبارة عن استمتاعها باللحظة. لقطة يتجلى فيها ما أوصلته السيدة الأسطورة إلى العالم من براح في التعامل مع الجسد والنفس وعلاقتهما بما هو محيط من فراغ وبشر وأشياء، وثقة قلما تأتي للمرء في عواقب ترك نفسه إلى لحظة نشوة حقيقية ومعلنة.
اضطر المخرج بيلي وايلدر لإعادة المشهد مرات بسبب زحام المارة، غير أنها كانت فرصة لعمل ما يشبه جلسة تصوير لها من عدة زوايا وهي تنحني لتحوش الفستان من الارتفاع أكثر فلا تستطيع السيطرة على كل أطرافه.
اللقطات الفوتوغرافية للمشهد اُستخدمت في الدعاية للفيلم. بعدها قرر زوجها لاعب البيسبول المشهور جو ديماجيو الانفصال عنها، غير محتمل حديث العالم عن تعري زوجته وملابسها الداخلية. فيما سيباع الفستان بعد سنوات كثيرة بما يتجاوز ستة ملايين دولار.

4
بعض الذين سخروا من النسخة المصرية للتمثال تساءل عن علاقة مارلين بالأوبرا المصرية. لا ضرورة لوجود علاقة بينهما. الحكاية فيها ما يستحق التوقف عنده أكثر بكثير:
التمثال القبيح جدًا نحته إيهاب الأسيوطي، رئيس قسم النحت في كلية الفنون الجميلة لجامعة المنيا!
الأسيوطي قال في تصريحات لموقع مصراوي، إنه راضٍ عن عمله كمحاكاة ناجحة للنسخة الأميركية من التمثال! غير أنه متأكد من وجود هجمة منظمة وراء استياء رواد “فيسبوك”. قال إنها هجمة مبررها كونه ناقدًا وباحثًا في الحركة التشكيلية!
التمثال فكرة أحد أصدقاء الفنان. كان وعده بتمويل العمل، الذي تكلف 25 ألف جنيه (حوالي 1500 دولار)، لعرضه في إحدى القرى السياحية بمناسبة عيد الحب، وعندما تراجع الصديق عن تسديد المبلغ، قرر الأسيوطي استكمال عمله من ماله الخاص وعرضه في ساحة الأوبرا.
رئيس قسم النحت في كلية الفنون الجميلة واجه الهجوم عليه قائلًا: “اللي يعجبه يتفرج واللي ميعجبوش ميتفرجش”! ما أشعرني أن العمل معروض في صالة منزله.
عازفة الفلوت العالمية ورئيسة دار الأوبرا المصرية الدكتورة إيناس عبد الدايم، قالت لصحيفة “اليوم السابع” إن الأوبرا لا علاقة لها بوجود التمثال في ساحتها، وأن الأمر مسؤولية قطاع الفنون التشكيلية. وهذه مسألة تحتاج مناقشتها إلى ملفات صحافية حول طبيعة الإدارة الثقافية في مصر وتقاطع المهام والمسؤوليات داخل هيئات وزارة الثقافة.
الدكتور خالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية في مصر، قال للصحيفة نفسها، إن إدارة القطاع ليس لديها حق إزالة التمثال لأنه جزء من عمل الفنان ورؤيته الشخصية. لكنه طمأن المهتمين بأنها مسألة وقت، ذلك أن التمثال معروض لفترة محدودة ضمن معرض الفنان في إحدى القاعات الملحقة بمتحف الفن. وقال إن هذه الحالة تلخص الأمر بأن العمل، جيد أو رديء، سيوضع “في مشوار ومسيرة الفنان”.

5
قبل وفاتها الغامضة بسنتين كتبت مارلين، أو قالت لأحدهم، لا أعرف:
“لدي إحساس عميق بأنني لست حقيقية تمامًا، بل إنني زيف مفتعل ومصنوع بمهارة. كل إنسان يحسّ في هذا العالم بهذا الإحساس بين وقت وآخر، ولكني أعيش هذا الإحساس طيلة الوقت، بل أظن أحيانًا أنني لست إلا إنتاجًا سينمائيًا فنيًا أتقنوا صنعه”.
تلك سيدة تقع جاذبيتها في جوانبها الموجعة لأي رجل ستسمح له بتحقيق الحب معها. هي ليست مجرد رمز للجنس، لكنها فيلسوفته بشكل ما. هي النموذج المثالي لنوع من السيدات تحيلك العلاقة معه إلى صراع داخلي بين ما تحبه وبين قدرتك على دفع ثمنه إذا توفر لديك.
لم يتحمل لاعب البيسبول لمحة من نزق وإن كانت تمثيلًا. لكنها ستعيش فترة لا بأس بها زوجة للروائي الأميركي آرثر ميللر. مثلها يليق بفنان. قد تقتله ضيقًا، أو تدفعه للقتل. ولكن ربما ينتصر بسببها على ما تصوره ترسخ من جوانب شخصية تحول بينه وبين متعة أكبر للحياة.
ربما يستطيع نحات محترف أن يصنع لمارلين تمثالًا جيد الشكل كما الواقف في شيكاغو، ولكن من الصعب أن يجسّد تمثالٌ ما أرسلته مارلين من طاقة وأفكار، أو ما يعبّر عنه وجهها من لغة. تلك سيدة ستظل، في الغالب، عصية على النحت.

اضف تعليق

اضف تعليق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق