تقارير رئيسية ملفات مميززة

إغتيال الطفولة .. من المدرسة إلى عش الزوجية

images

كتبت : مرام جمال عبدالناصر

في وطن تطور فيه وئد البنات ليتستر بغطاء اكثر شرعية ومباركة من المجتمع …

كانت الفتاة في الخامسة عشر من عمرها، بدأت أزمتها عندما جائت خالتها بالعريس من المدينة لتخلص الاسرة من عبئها فهي ابنة من 10 ابناء لم يعد والدهم يستطيع سد إحتياجاتهم، تفرح الفتاة بهذه الزيجة وتعيش في حلم سندريلا التي سينتشلها الامير من قريتها ليحقق لها كل أحلامها فهى لا تعلم ما ينتظرها، بعد زواج الطفلة عاشت فترة ذاقت فيها طعم الفرحة ولكن لكونها غير مكتملة النضج بعد لم يستطيع الزوج ولا اسرته إنتظارها حتي ينضج جسدها الهزيل لكى تستطيع الانجاب، بل أسرعوا إلي الطبيب الذي بدأ بحقنها بهرمونات زائدة لتنجب طفلتين مشوهتين حُرمت إحداهما من السمع والأخري فاقدة لإحدي عينيها .

أخذت الام تنتقل بهما كل يوم من مستشفي لاخري ما أن وصلت لمرحلة فتجد نفسها إمرآة جميلة في عمر الواحد والعشرون وأم لطفلتين لم تعد قادرة علي تحمل متاعبهم ولم تعد حياة المدينة تُغريها بقدر ما أصبحت تحتاج إلي حريتها واستكمال حياتها بصورة تناسبها، لتأحذ أكثر القرارات ظلما وقسوة ممكن لأم أن تفكر فيها، قررت أن تترك طفلتيها وحدهما غير آبهة بمصيرهما وتترك المدينة عائدة إلي بيت أهلها مستغنية عن كل حقوقها وطاوية لتلك الصفحة من حياتها، هذه ليست قصة من نسج الخيال بل مشكلة من أرض الواقع كمثال وليس حصر.

يأتي زواج القاصرات ضمن أهم قضايا الإنتهاك الذي تتعرض له المرأة دون اعتبار لكينونتها وحقها في اختيار من ترضاه لتكمل معه حياتها. تختلف حالاته في مصر من مكان لآخر :
الحالة الاولى : زواج الطفلة قبل الـ 18 عام بناء علي الموروث الاجتماعي للقبائل وفي الريف يروه امراً مقبولاً.
الحالة الثانية : زواج فتيات علي يد سماسرة برجال يكبرهن بأضعاف اعمارهن بسبب الفقر الذى يدفع الآباء لتزويج بناتهم ليخففوا عنهم العبئ المالي الذي تشكله لهم البنت او طمعاً في الحصول علي عائد مالي يحسن وضعهم الاقتصادي وكأنها صفقة تجارية.
الحالة الثالثة: زواج بالأسم فقط دون وجود توثيق من أي نوع “هذا يتم بين أطفال الشوارع”.

صدرت دراسة صدرت خلال عام 2009 عن مركز المعلومات ودعم إتخاذ القرار بمجلس الوزراء بعنوان أنماط الزواج في مصر أن نسبة زواج القاصرات بلغت 29% من إجمالي حالات الزواج خلال هذا العام باجمالي 53 الف حالة زواج وتنتهي الدراسة إلي معاناة 265 الف طفل جراء التفكك الاسري والطلاق الناجم عن الزواج غير المتكافئ.
كما صدرت دراسة عام 2011 من وزارة الصحة والسكان تؤكد أن نسبه زواج القاصرات في بعض المحافظات وصلت الي 74%.
كما توضح الدراسات التي نشرت من قبل المجلس القومي للمرأة عام 2012 حجم قضية زواج القاصرات في مصر ان 22% من الفتيات تزوجن قبل سن الـ 18، ويوجد دراسة أُعدت بالتعاون بين وزارة التضامن ومنظمة اليونسيف أشارت إلي أن حالات زواج القاصرات في مصر تزيد عن 40 الف فتاة ومواليدهم وصلت الي 15 الف طفل.

يغفل الجميع الاضرار المصاحبة لتلك الظاهرة سواء الجسدية او النفسية للأم والجنين وصرح د/خالد أنور شعلان ان الاضرار الجسدية

(بالنسبة للأم)
-اضطرابات الدورة الشهرية وتأخر الحمل.
-إزدياد نسبة الإصابة بمرض هشاشة العظام في سن مبكرة نتيجة نقص الكالسيوم.
-فقر الدم وحدوث القئ المستمر.
-الاجهاض، حيث تزداد معدلاته والولاد المبكرة وذلك إما لخلل في الهرمونات الانثوية واما لعدم تأقلم الرحم علي حدوث الحمل مما   يؤدي لحدوث انقباضات رحمية متكررة تؤدي الي حدوث نزيف مهبلي والولادة المبستر (المبكرة ).
– عدم إكتمال النضج الجسدي الذي يساعد في القيام بالعملية الجنسية السليمة مما يؤدي إلي تمزق في الأعضاء التناسلية والاغشية المحيطة بها بالاضافة إلي وجود نزيف قد يكون حاد في تلك الاعضاء.
– ارتفاع حاد في ضغط الدم قد يؤدي الي فشل كلوي ونزيف وجدوث تشنجات .
– إزدياد نسبة الوفيات نتيجة المضاعفات المختلفة مع الحمل.
– ظهور التشوهات العظمية في الحوض والعمود الفقري بسبب الحمل المبكر.

(بالنسبة للطفل)
– إختناق الجنين في بطن الام نتيجة القصور الحاد في الدورة الدموية المغذية للجنين.
– الولادة المبكرة وما يصاحبها من مضاعفات مثل: قصور في الجهاز التنفسي لعدم إكتمال الرئتين، إضطرابات فى الجهاز الهضمى ، تأخر النمو الجسدي والعقلي.
– زيادة خطر الاصابة بالشلل الدماغي.
– الاصابة بالعمي والاعاقة السمعية.

وأكد الدكتور علي سلامة، استشاري الطب النفسي، أن الاضرار النفسية والاجتماعية التي تلحق بالأم هي:
1- الحرمان العاطفي والحرمان من عيش مرحلة الطفولة مما قد ينتج عنه عند تعرضها لضغوط إلي ارتداد لهذه المرحلة في صورة امراض نفسية مثل: الهستريا او الفصام او الاكتئاب او القلق او اضطرابات الشخصية.
2- الاضطراب في العلاقة الجنسية بين الزوجين ناتج عن عدم ادراك الطفلة لطبيعة العلاقة مما ينتج عنه عدم نجاحها, فتكون معرضة للإدمان كنوع من الهروب من كثرة الضغوط.
3- تكوين ناقص للشخصية يجعلها تتخذ قرارت غير سليمة وحكيمة وغير مهتمة وقادرة علي تعليم ابنائها.
4- التبعية: تصبح الزوجة القاصرة مصابة بالتبعية للزوج واهله نظرا لصغر سنها.
5- الشعور بالدونية: تشعر الزوجة القاصر انها كانت عبئ علي أهلها وانها مكروهة من قبلهم لتزويجهم إياها في ذلك العمر الصغير وتشعر الطفلة انها مجرد سلع تم بيعها والتخلص منها.
6- الممارسة الجنسية القسرية: أكثر من 80% من الزوجات القاصرات تعبرن عن عدم رغبتهن في ممارسة الجنس سواء فى بداية الحياة الزوجية او فيما بعد، ومن آثار هذه العلاقة التشوهات في الاعضاء التناسلية التي تؤدي لمشاكل جسدية ونفسية ويصبح الجنس والعذاب والالم مرتبطين ببعضهم البعض.

ورداً علي الرأي الذي يقول بأن الدين يسمح بالزواج المبكر فجاءت فتوي مفتي الديار المصرية: اعتبر مفتي مصر السابق(علي جمعة ) أن زواج القاصرات زني وأفتي بأن زواج القاصرات يعتبر إستغلالاً جنسياً للاطفال ويجب معاقبة من يفعله أو يقوم به سواء كانوا الابوين أو المأذون أو المحامين أو الوسطاء (السماسرة ) مؤكداً أن الاب الذي يزوج إبنته القاصر يعتبر فاسقاً وتسقط ولايته علي ابنائه ولابد من عقابه عقاباً رادعا لمواجهة هذه الظاهرة.
ويدور الخلاف الفقهي حول الخلط بين سن التكليف بالفروض وبين سن الزواج فمناط التكليف بالفروض هو “البلوغ” بينما الزواج يرتبط بأهلية إستباحة الفروج التي وضعها المذهب الحنفي المتبع في مصر عند سن 18 سنة.
لكن الدين الإسلامي وإن لم يحدد سن صريحة للزواج فقد أقر بأن أول ركنين في الزواج هما (الايجاب والقبول) وهما مرتبطان بإكتمال الارادة التي رآها بعض الفقهاء لا تكتمل قبل الثامنة عشر أو أكثر وكذلك فقد حرم الله زواج (إسار الدين) اي تزويج الولي للفتاة سدادا لدينه لانها ليست سلعة وسداً لذرائع زواج المتعة او الزواج السياحي او الموسمي او المسيار او غيره وتبعا لقاعدة (درء المفسدة مقدم علي جلب المنفعة) .
يقول الشيخ “سيد زايد” عضو لجنة الفتوي بالازهر ومدير أن القياس علي زواج الرسول من السيدة عائشة لا يبني عليه لوجود المستجدات الحالية في المأكل والمشرب والتعليم والثقافة فلا يصلح ان تتزوج الفتاة قبل ان تتم تعليمها .
وتعجب الشيخ سيد من القوانين التي تجعل سن الذم المالية 21 سنة وسن الزواج أقل ذلك في حين أن مسؤلية الزواج والانجاب أكبر ومعتبراً أن المأذون الذي يزوج الاطفال قبل 18 سنة يأكل من مصدر رزق محرم فإذا مات الزوج قبل التوثيق تضيع الحقوق علي الزوجة وأطفالها وهذا مخالفاً لقول السنة النبوية “لا ضرر ولا ضرار”.
أما عن الجانب القانوني فان زواج القاصرات مخالف لقانون الطفل والذي حظر زواج الفتيات أقل من 18 عام وأن ذلك يعد جريمة تستوجب العقاب والمادة 291 التي حظرت أي نوع من الاستغلال الذي يقع علي الاطفال وايضاً مخالفته لقانون الاتجار بالبشر 64لسنة 2010 .
يري المستشار “هاني جورجي” القاضي بمحكمة المنصورة أن قانون العقوبات وقانون الطفل يكفيان لمنع هذه الجريمة مستدركاً أن منعها لا يتم بالقوانين فقط فالدول لا تقيم فقط بمدي امتلاكها للقوانين بل بكيفية تطبيقها وذلك بمواجهة شاملة لاشكال التمييز ضد الانثي والتي ينظر لها دائماً علي انها أقل من الذكر من خلال التوعية بالاضافة إلي التطبيق الجيد من خلال أعضاء النيابة العامة والقضاه الذين تدربوا بالفعل علي مكافحة أشكال العنف ضد المرأة ومن بينها زواج القاصرات .
وتضع الدكتورة عزة العشماوي مديرة وحدة منع الاتجار في البشر في وزارة الاسرة والسكان يدها علي ثغرة في جهود منع الاتجار في البشر خاصة مايتعلق بمنع زواج القاصرات دون الـ 18 سنة من مسنين تتمثل في عدم وجود خطة لمتابعة بعض الفئات التي تتلقي تدريبا علي مكافحة الزواج المبكر من خلال تعريفهم بمؤشرات التعرف علي الضحايا ومساعدتهم بالاضافة الي قلة التنسيق بين الجهات المختلفة التي تعمل في إبعاد هذه القضية والتي تركز عملها مع الفئات المهمشة والفقيرة فالامر ليس مسئولية جهه بعينها بل هو مسئولية مشتركة بين المدارس ووزارة الاسرة والسكان ووزارة الصحة وغيرها من الجهات التي تضمنتها الخطة الوطنية لمكافحة الاتجار بالاطفال.
وهذا ما تؤول اليه الحالة في مجتمعنا كل يوم قصة جديدة تسجل لفتيات تم وئدهن أحياء واطفال يولدون لمصير مجهول.

اضف تعليق

اضف تعليق

About the author

adminahmed

Add Comment

Click here to post a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com